محمد باقر الملكي الميانجي
289
مناهج البيان في تفسير القرآن
اللّاحق يصدّق السابق ويعظّمه ويقدّسه ، ويؤمن به وبما جاء به ، عدا بعض ما كان منسوخا ، تحفّظا لوحدة الكلمة ووحدة الغرض . وبلّغوا ذلك أممهم ، وشرطوا عليهم الوفاء ، والقيام والعمل بما بلّغوا وأخذوا منهم العهود المؤكّدة ، والمواثيق الغليظة منهم بأمر اللّه سبحانه . وعرّفوا أممهم أنّه إذا جاءكم بعدي رسول بكتاب وحكمة ، وقامت البراهين والحجج عندكم للنبيّ الموعود ، وأنّ كتابه وحكمه موافق لمن تقدّم من الرسل ، وكان مصدّقا لجميعهم في علومهم فيما جاؤوا به من عند اللّه ، فيجب عليكم الإيمان به ، ونصرته ، فمن تولّى منهم بعد قيام الحجّة وأنكر العهد المأخوذ منهم والميثاق السابق فقد عصى النبيّ السابق وكفر باللّاحق وهو من الفاسقين . لقد أخذ اللّه ميثاق النبيّين على أممهم بواسطة النبيّين للنبيّ اللّاحق ، فإنّ إطلاق الخطاب وسوقه إلى الأمم - مع أنّ المواجه بالخطاب هو نفس النبيّ - إطلاق شائع . قال تعالى : « أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ » . [ يس ( 36 ) / 60 ] و « يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً » . [ النساء ( 4 ) / 174 ] وقوله : « لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ » . أي جاءكم كتاب وحكمة بإرسال الرسل وبعث الأنبياء . وقوله : « ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ » . أي تحقّق عندكم توافقهما وتصادقهما ، فلا بدّ من الإيمان به والنصرة له . والشاهد لما ذكرناه في تفسير الآية هو أنّ مجيء الرسول لجماعة النبيّين فرض باطل ، فيكون القوم الّذين جاءهم الرسول هي أمّة النبيّ السابق المتدينة بكتابه وشريعته . فاللّه - تعالى - يقول لهم بإبلاغ النبيّين : « أَ أَقْرَرْتُمْ . . . » فقالوا في جواب نبيّهم : « أَقْرَرْنا » . فقال اللّه لهم : فأشهدوا على أنفسكم هذا العهد المأخوذ ، وتذكّروه